الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

118

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

على الاجتماع في الحكم بعيد جدا كما لا يخفى ولعل الوجه فيما ذكره أن ما نص عليه من دلالته على أحد المعنيين لا يمكن حصوله إلا بالدلالة على المعنيين معا إذ من دون دلالته على كل منهما لا يعقل دلالته على أحدهما فيكون كل من المعنيين مدلولا للفظ كما هو المفروض في محل البحث فحكمه بدلالته على أحدهما وكذا التخيير والترديد المستفاد من ذلك إنما هو بالنسبة إلى تعلق الحكم لا في نفس الدلالة إذ المفروض ثبوت دلالته على كل منهما وأنت خبير بما فيه بملاحظة ما قدمنا رابعها أن يستعمل في المجموع المركب من المعنيين بأن يكون كل منهما جزء ما تعلق الحكم به كقولك زيد يرفع هذا الحجر إذا أردت أن الزيدين معا يرفعانه لا أن كلا منهما يرفعه ونقل عن بعضهم أن ذلك هو محل البحث في المقام وهو غلط ظاهر لعدم انطباق الأقوال عليه ضرورة كون الاستعمال المذكور في خلاف ما وضع له اللفظ قطعا فلا محالة لو صح كان مجازا وقد نص جماعة على خروجه عن المتنازع فيه قال الفاضل الباغنوي لا نزاع في امتناع ذلك حقيقة وفي جوازه مجازا قلت نفيه النزاع عن جواز الاستعمال فيه مطلقا كما هو ظاهر إطلاقه محل منع بل الظاهر أن ذلك يتبع العلاقة المصحّحة للتجوز عرفا بحيث لا يستهجن استعماله كذلك فلو أطلق البيع على مجموع البيع والشراء والقراء على مجموع الطهر والحيض وعسعس على مجموع أقبل وأدبر فلعله لا مانع منه لوجود المناسبة المعتبرة بخلاف إطلاق العين على مجموع الجاموس وكفة الميزان إذ لا ربط بين الكل وكل من المعنيين ومجرد كون كل من المعنيين الحقيقيين جزءا من المستعمل فيه ولو في الاعتبار لا يكون مجوزا للاستعمال مطلقا وكأنه بني على وجود علاقة الكل والجزء حينئذ فأطلق صحة استعماله فيه على سبيل المجاز وهو بين الوهن وأنكر بعض من الأفاضل جواز استعماله في ذلك مطلقا نظرا إلى أن العلاقة الحاصلة في المقام هي علاقة الكل والجزء لا غيرها وهي مشروطة بكون الكل مما ينتفي بانتفاء الجزء وأن يكون للكل تركب حقيقي وذلك منتف في المقام فلا مصحّح للاستعمال والدعويان الأوليان محل منع بل وكذا الثالث لإمكان وضع اللفظ بإزاء كل من جزئي المركب الحقيقي مع انتفاء الكل منهما خامسها أن يستعمل في كل من المعنيين على أن يكون كل منهما مناطا للحكم ومتعلقا للإثبات والنفي والفرق بينه وبين السابق عليه هو الفرق بين العام المجموعي والأفرادي على ما ذكر وهذا هو محل النزاع على ما نص عليه جماعة فإن قلت إذا أريد من اللفظ كل واحد من معنييه لم يكن ما استعمل فيه اللفظ إلا المعنيين معا كما لو أريد منه مجموع المعنيين وإلا لم يكن فيه استغراق فالعام في قولك كل من في الدار يرفع هذا الحجر ليس مستعملا على كل من الوجهين إلا في الاستغراق أعني جميع مصاديقه غير أن تعلق الحكم في الأول بجميع ما استعمل فيه اللفظ أعني مجموع الجزئيات وفي الثاني بكل من الجزئيات المندرجة فيما استعمل فيه أعني خصوص كل واحد من الأفراد فعلى هذا ليس الفرق بين العام المجموعي والأفرادي إلا في تعلق الإسناد والحكم إذ يجعل الموضوع في القضية تارة خصوص كل فرد فرد فيكون لفظة كل سورا لها وتارة مجموع الأفراد فلا يكون كل حينئذ سورا بل الموضوع حينئذ هو مع ما أضيف إليه وذلك لا مدخل له في إطلاق اللفظ على معناه واستعماله فيه الذي هو محل النظر في المقام إذ استعمال اللفظ لم يقع إلا في معنى واحد على ما بيناه قلت الفرق بين المعنيين واضح مع قطع النظر عن ملاحظة الاستناد والحكم إذ المراد بكل الرجال في العام المجموعي هو مجموع الآحاد وفي الاستغراق هو كل واحد منهما وهو معنى آخر ومفهوم مغاير لذلك المفهوم ضرورة كيف وليس الملحوظ في الأول إلا المجموع وليست الآحاد ملحوظة إلا في ضمنه وكل من الآحاد ملحوظة في الثاني على جهة الإجمال فالفرق بين المعنيين بين لا خفاء فيه نعم يمكن أن يقال إن المستعمل فيه في المقام الاستغراق أيضا معنى واحد شامل للجزئيات فيكون المستعمل فيه في المشترك عند استعماله في جميع معانيه معنى آخر مغاير لكل واحد من معانيه غير أنه يندرج فيه اندراج الخاص في العام الأصولي كما نص عليه غير واحد من محرري محل النزاع فلا يكون استعمالا في شيء من معانيه بل هو استعمال له في غير ما وضع له قطعا نظير استعماله في جميع معانيه ويتوقف صحته على وجود العلاقة المصححة فلا يكون من محل النزاع في شيء ولا ينطبق عليه الأقوال الموجودة في المستعملة فالحق خروج ذلك عن محل النزاع أيضا وإنما البحث في استعماله في كل من معنييه أو معانيه على نحو آخر وتوضيح المقام أن استعمال المشترك في المعنيين يتصور على وجوه أحدها أن يستعمل في المعنيين معا فيندرج فيه كل منهما على نحو اندراج الآحاد تحت العشرة مثلا وحينئذ فقد يكون الحكم منوطا بكل منهما بحيث يكون كل من المعنيين متعلقا للإثبات والنفي كما قد يناط الحكم بكل من آحاد العشرة إذا أسند حكم إليها على الوجهين لاستعمالها في معناها على الصورتين إلا أنه يختلف الحال في ملاحظتها في المقامين وكذا الحال في التثنية فإن مدلولها المفردان وكل منهما جزء مدلوله قطعا ومع ذلك وقد يناط الحكم بهما على سبيل الاجتماع وقد يناط بكل منهما والمفهوم المراد منهما واحد في الصورتين إلا أن هناك اختلافا في الملاحظة يترتب عليه ذلك ثانيها أن يستعمل في مفهوم كل منهما على نحو استعمال العام في معناه فيكون ما استعمل فيه عبارة عن مفهوم إجمالي شامل لهما وهو لكل من المعنيين مفهوم مستقل ومن البين مغايرته لكل منهما ثالثها أن يستعمل في كل من المعنيين على سبيل الاستقلال والانفراد في الإرادة بأن يراد به هذا المعنى بخصوصه مرة والآخر أخرى فقد استعمل حينئذ في كل من المعنيين مع قطع النظر عن استعماله في الآخر والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها أن كلا من المعنيين على الأولى ليس مما استعمل فيه اللفظ مستقلا بل المستعمل فيه هو الأمر الشامل لهما كما في العام إذ من البين أن لفظ العام إنما يستعمل في معنى واحد هو العموم وكل واحد من الأفراد مراد منه تبعا وضمنا من حيث الاندراج في المعنى المذكور على نحو يشبه إرادة الأجزاء من المستعمل في الكل المجموعي وأما في هذه الصورة فكل واحد من المعنيين قد استعمل فيه اللفظ مستقلا مع قطع النظر عن إرادة الآخر من غير أن يستعمل في مفهوم كل منهما الشامل لهما فالمفروض هناك استعماله في مفهوم كل منهما من غير أن يكون مستعملا في خصوص كل منهما كما هو الشأن في العام الأصولي بالنسبة إلى جزئياته لوضوح عدم استعمال العام في خصوص شيء من الأفراد والمفروض في هذه استعماله في خصوص